علي السعد عبيدات .. شاعر ريفي جمع بين الاعلام والتربية والشعر

تصوير نيوز

كتب ابراهيم عبيدات

لطالما حاولت كثيراً اجترار ذكرياتي المدرسية وخصوصا تلك التي بنكهة الشعر والادب ، المجبولة ايقاعاته برذاذ العشق للدحنون والزّعتر في وديان وجبال بلدتنا الوادعة الرّفيد .
إنها فترة الصفوف الاساسية العليا، حيث أعلى صف في المدرسة هو الصف العاشر الاساسي كنا نرتقب حصته ترقب العاشق الملهوف لمعشوقته فينقضي وقت الحصة دون أن نشعر.
كان مثالاً للتربوي المخلص ولا أقول المعلم من حيث عطاؤه وحرصه على الناشئة، واحاطته بالتشريعات التربوية وركوب الصعب وتجشم العناء في سبيل البحث والاعداد خدمةً لطلابه ،وحرصاً منه على ان تعم الفائده على الجميع.
احضرت اوراقي وجهزت كاميرا التصوير فيرافقني شوق كبير للحديث مع هذه القامة الكبيرة ، وحددت معه موعداً مصحوباً بترحيب كبير وشوق المعلم لطلابه بعد ان كبروا واصبحوا في وضع يمكنهم من اجراء المقابلات مع من علّموهم ودّرسوهم وكانوا لهم أياد بيضاء اورقت عطاءً نجاحاً.
إنه استاذي الفاضل ومعلمي والاعلامي علي السعد عبيدات والذي يبلغ من العمر ستٌ وخمسون عاماً المتزوج والذي لديه من الابناء ستةً ابناء وهم الاكبر ايهاب ونجدة وباهر ومحمد ومؤيد وعمر ,والذي يسكن بلدة (الرفيد) في بني كنانة ، حاصل على بكالوريس لغة عربية من الجامعة الاردنية وشهادة الدبلوم العالي في المناهج والتدريس من جامعة اليرموك ،عمل في مؤسسة الاذاعة والتلفزيون مابين عامي 1990/1991م كمذيع متعاون على نظام الكافأة ثم انتقل بعد ذلك الى سلك التربية والتعليم معلماً ومساعداُ ثم مديراً لمدرسة الرفيد الثانوية للبنين وهذان المجالان احوج ما يكون فيهما المرء الى الوعي والمسؤولية تجاه شريحه كبيرة من المجتمع ، فمن ميكرفون يخاطب الجماهير العريضة حيث الكلمة لها هولة السحر في النفوس خصوصاً ان الاذاعة آنذاك كان لها جمهورها الواسع أكثر من أيامنا هذه الى إعداد وتنشئة وتربية الاجيال تحت مظلة وزارة التربية والتعليم .
كان معلمنا الفاضل بارع في نظم الابيات الشعرية والتي كان يطربنا بها خلال الحصة الصفية ،مما دفعني لابادره بالسؤال حول هذه الملكة الشعرية الذي يمتلكها ؟ عندها ابتسم ابتسامته المعتادة وقال ” ان الشعر هاجس يأتي كالنسيم في ساعة لا يعرفها أحد حتى الشاعر نفسه لا يرف متى تولد القصيدة ، وقد يكون للمكان والزمان وما نعايشه من أحداث ومناسبات محركاً واستدعاء لشيطان الشعر واقول هنا شيطان الشعر تجوُّزاً ، لان المهوبة هي الاساس لكن البيئة والاحداث وما يحصله المرء من ثقافة واطلاع ترسم الخطوات الاولى لظهور الموهبة وتساعد على صقلها واستخراجها الى حيز الوجود، وقد تكون البدايات بسيطة ولكن بالمطالعة المستمرة وخصوصاً للشعر قديمهُ وحديثهُ وحفظ الكثير منه سرعان ما يساعد على نمو الملكة الشعرية لدى الشاعر وقد تفتحت الشاعرية لدي وانا في سن مبكره من عمره.
وقال لم تكن بدايتي قوية وانما كانت ناقدة وهزلية ، وربما ساعد على البكور حياة الريف والجبال والنسائم وربيع بلدتنا وكل ما يحيط بها من أشياء.
وخلال الحديث أخذت نظراته تداعب وجهي ليغمض عيناه لبرهة من الزمن ويقول لي لقد عدت بي يا بني الى ذكريات من الزمن الجميل مرّ عليها أكثر أربعين عاماً .. وفي تلك اللحظة وجهت له سؤالاً هل أثارت تلك الايام في نفسك أحلام الشاعر المؤجلة أو تلك التي طور النماء؟
أخذ رشفة من القهوة وقال لي ” لا يستطيع الانسان ان يزعم انه يؤجج أو حتى يؤجل الحلم ، لكنه يستطيع ان يسعى وان يناضل ويكافح من اجل تحقيق ما يصبو اليه من اهداف، فالحلم هو هدف تلعب الظروف دوراً في تحقيقه أو تأخيره فالمهم هو العزيمه والجهد الدؤوب ، والمناضلة في سبيل جعل ما هو حلم واقعاً ملموساً معاشاً ، وسيبقى الانسان يسعى ويحقق ، ثم يضع رؤية جديدة ورسالة جديدة ، وادوات واستراتيجيات جديدة على طريق تحقيقها .. بمعنى أن الانسان سيبقى يحلم بتحقيق ما لم يحققه.
وحينها وصف الشعر قائلاً ” أن الشعر بحراً لا يمكن لاي شخص ان يعوم فيه” وفي هذه اللحظة سألته متى يمكن للشاعر ان يلمس قاع الشعر؟
فأجاب ” جميل ان تصور الشعر ذا قاع ، فالشاعر يتعامل مع بحور شعرية ،فان شبهناها بالبحور المائية فاننا نجد ان بحر الماء له قاع يمكن ان يصلها الغواصون من خلال الغواصات ووسائل النقل المختلفة .
أما الشعر فله قاع مختلف لا محدود ، فكلما احسست انك لامست قاعه ، زارك احساس ثان بأن قاعاً جديداً للشعر لم تصله بعد وهو يطول ويتسع مداه ولكني اشعر بالنشوة عندما أقول ما يعجب الناس ويؤثر فيهم ويطرون عليه ، ولكن ليس معنى هذا أنني وصلت الى النهاية فالنهاية هي اللانهاية برأيي .
هنا سألته ..أخبرني كيف تأثرت بالشعر وكيف أثر الشعر في حياتك؟
فقال ” منذ الصغر وأنا أحب اللغة اللعربية وأحب الشعر واحفظ القصائد من الشعر الجاهلي والاموي والعبّاسي حتى من شعر المعاصرين وكلما تعمقت في قراءة وحفظ الشعر ازداد ولعي به ، أثّرت معانيه وصوره الجميلة في وجداني ، فقد نقلني من حيز الذات والجوار الى عالم اوسع _ الى مجتمع المهتمين بالشعر من شعراء وأُدباء وذوّاقين .
فقد كنا نقيم الامسيات الشعرية ةيتعرف بعضنا الى البعض الاخر ليس فقط على صعيد الداخل ، بل على صعيد الوطن العربي ، فقد شاركت في مهرجان الشعر العربي الاول الذي حضره وشارك فيه شعراء من ستة عشرة دولة عربية ، حيث أقيم المهرجان في مدينة إربد بإستضافة بيت الشعراء .
واضاف ” ان العالم اليوم مفتوح حيث مواقع التواصل الاجتماعي التي يستطيع الشاعر من خلالها أن يتفاعل مع شريحه لامتناهيه من الشعراء والمهتمين من مل أنحاء العالم .
وبهذا التواصل تزداد ثقة الشاعر بنفسه ويشعر بألوان الحياه الزاهية التي يرسم من خلالها مشواره ، وبأنغام الايقاعات و التفعيلات التي تؤنس حياته .
ولانني كنت أستمع لبعض المفردات الجميلة التي كان يقولها داخل الغرفة الصفية، بدر الى ذهني بأن أسأله حول النبع الذي يستقي منه مفرداته الشعرية؟
فقال ” انني استمد مفرداتي من الحياة والناس ، فأنا أتهجّى الحياة بحلوها ومرها وأهتجي الناس في أحوالهم وظروف حياتهم، لانه في النهاية الشاعر يكتب بما تمليه عليه ظروف الحياة والاحوال التي يمر بها الناس، وفي ذات الوقت لانهم هم مصدر الشعر من خلال ممارستهم وأحلامهم وختى آمالهم أوجاعهم المرسومة مابين دفتي الزمان والمكان.
ولكن كيف تستطيع أن تنظم وقتك مابين التعليم، والعائلة ،والشعر ؟
فقالي لي ضاحكاً قد يأتي الالهام الشعري والشعر مضطجع في فراشه فينهض ليدّون ما جاءت به القريحة خشية النسيان .
واضاف “ان طبيعة عملي هي تعامل مع الادب والشعر ، فلا تعارض ، وفي حين كثيرة كنت انظم أثناء الحصة الصفية أبياتاً لأُدرب طلابي على العروض والتقطيع الشعري كإثراء لتعلمهم ، ولكن كما ذكرت فذاك نظم للتعليم ، أما العائلة فجل وقتي بينهم حيث مكان عملي في نفس البلدة ولا يظننّ ظانٌّ ان الشاعر يقول الساعة الفلانية سأكتب الشعر او غداُ فالشعر يأتي نتيجة إختمار فكرة في باطن الشاعر او تأثره في مشهد ما أو غير ذلك “.
ولانه كان بارعاً في نظم أبيات الشعر طلبت منه أن يسمعني بعضاً منها لاتذوق من هذا الغذاء الثقافي الادبي :
طيف الربيع ولمسة الفتان أم قبلة البدر المنير الحاني
أم دفء وتبسم الازهار والريحان صمت الليل في أرجائها
نقت بنور رسمها بحر الدجى حتى بددت في حسنها الفتّان
أبشر أخي برفدها وعطائها أرض الجدود منهال البشران
إن الرفيد قصيدةٌ ورديةٌ غنيتها بروائع الحان
عرج عليها تحتضنك بحبها وتحطك إنساناً روعة للانسان
هذي الرفيد ترابها من أذفر وكروها الخضراء نبع حنان
سقت وطالت في الفضاء أشجارها حتى غدت في الارض مثل جنان
أيقنت أني ذرة من ترابها وعّادة بالخير للانسان
أيقنت أني حبة من قمحها في السنبل اللمّاع كالتيجان
أو قطرة لآلآءة من زيتها معجونة بالخبز للجوعان
ومن قصيدة أنا وقت بالدم انتصاري والتي أهداها الى شهداء الاقصى :
أنا وقعت بالدم أنتصاري وبالسكين قد اشعلت ناري
عبرت بهمتي بحر المنايا حياة العز أو موتي قراري
إذا الاقصى دعاني بعت نفسي فداءالاقصى، واعلنت انتصاري
سأرسم قصتي يا قدس عشقاً بقاني الدَّم ليلي مع نهاري
فلا التهجير يغني جهادي ولا ليل الحصار وهدم دار
وما يثني عن النجدات بأسي شخير الدرع أو صوت انفجار
فغبار الارض أعشقه بارضي وأقضي دونه دون إنتظاري
كلماته هذه لم تتكن كالكلمات وانما كانت كالرصاصلها أثراً كبيرا في نفسي لاسترجع واياه تاريخ الاباء والاجداد الذين عطروا بدمائهم الزكية ثرى فلسطين كيف لا وأول شهيد على أرض فلسطين الشيخ كايد المفلح العبيدات .
ثم قلت له وبعد مضي ستةٌ وخمسون عاما من العمر هل ترى نفسك تسلك طريق النجاح كشاعر ؟
تبسم قليلاً ثم قال ” النجاح والفشل أمرهما بيد الله عز وجل ، وعلى الانسان ان يأخذ بالاسباب والمسببات ويبذل كل ما بوسعه للوصول الى النجاح ، فالنجاح لايوهب ولا يمنح للانسان بل ينتزعه الانسان بجهده ودأبة وسعيه الحثيث آخذاً بالاسباب وـنا شخصياً احاول ان اسير في درب النجاح ، وما وصلت اليه لا أحم عليه بنفسي ، بل الاخرون هم من يمثلون لجنة الحكم ممن يعرفونني أو ممن هم على تواصل معي.”
واضاف على ذات السؤال ” إن مشوار الشعر لا ينتهي اذ ليس هناك نجاح نهائي بعدها يركن الشاعر للانقطاع والراحه بحجة انه وصل مرحلة النجاح ، فالنجاح الحقيقي هو البقاء والاستمراية في التجديد والابتكار الدائم.”
وبعد ان أمضيت ساعتين وأزيد من هذا الحوار الذي كان بنكهة الادب الريفي المعتق حاولت ان اجدد دماء هذا اللقاء بطرح سؤالي الاخير على معلمي وقدوتي ماهي احلامك وتطلعاتك المستقبلية كشاعر ؟
فرد على سؤال أدهشني دهشةً بقي أثرها في نفسي حتى اللحظة وقال ” أحلامي هي أحلامك وأحلام الاخرين في العيش الآمن والمستقر وان يعم الرخاء وان تعود الحقوق لاصحابها .
أما على الصعيد الشعري فأسعى لنفع الناس والاجيال بما اكتب وان يكون ما كتبته حجةً لي لا علي بعد نفاذ الاجل “

شارك